ابن عطية الأندلسي

132

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

قال سيبويه : الشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول في قوله : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ * . وحكي عن الكسائي أن قوله : فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ جواب الشرطين جميعا . قال القاضي أبو محمد عبد الحق رضي اللّه عنه : حكي هذا وفيه نظر ، ولا يتوجه أن يخالف سيبويه هنا ، وإنما الخلاف في نحو قوله تعالى : فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ [ الواقعة : 89 ] . فيقول سيبويه : « جواب أحد الشرطين محذوف لدلالة قوله : ( فروح ) عليه » ويقول الكوفيون : « فروح جواب الشرطين » . قال القاضي أبو محمد : وأما في هذه الآية فالمعنى يمنع أن يكون فَلا خَوْفٌ جوابا للشرطين . وقرأ الجحدري وابن أبي إسحاق : هُدىً وهي لغة هذيل . قال أبو ذؤيب يرثي بنيه : [ الكامل ] . سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم * فتخرموا ، ولكل جنب مصرع وكذلك يقولون عصى وما أشبهه ، وعلة هذه اللغة أن ياء الإضافة من شأنها أن يكسر ما قبلها ، فلما لم يصح في هذا الوزن كسر الألف الساكنة أبدلت ياء وأدغمت . وقرأ الزهري ويعقوب وعيسى الثقفي : « فلا خوف عليهم » نصب بالتبرئة ووجهه أنه أعم وأبلغ في رفع الخوف ، ووجه الرفع أنه أعدل في اللفظ لينعطف المرفوع من قولهم يَحْزَنُونَ على مرفوع ، « ولا » في قراءة الرفع عاملة عمل ليس . وقرأ ابن محيصن باختلاف عنه « فلا خوف » بالرفع وترك التنوين وهي على أن تعمل « لا » عمل ليس ، لكنه حذف التنوين تخفيفا لكثرة الاستعمال ، ويحتمل قوله تعالى : « لا خوف عليهم » أي فيما بين أيديهم من الدنيا ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * على ما فاتهم منها ، ويحتمل أن « لا خوف عليهم » يوم القيامة ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * فيه ، ويحتمل أن يريد أنه يدخلهم الجنة حيث لا خوف ولا حزن . وقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا الآية ، عطف جملة مرفوعة على جملة مرفوعة ، وقال وَكَذَّبُوا وكان في الكفر كفاية لأن لفظة كفروا يشترك فيها كفر النعم وكفر المعاصي ، ولا يجب بهذا خلود فبين أن الكفر هنا هو الشرك ، بقوله وَكَذَّبُوا بِآياتِنا والآية هنا يحتمل أن يريد المتلوة ، ويحتمل أن يريد العلامة المنصوبة ، وقد تقدم في صدر هذا الكتاب القول على لفظ آية ، و أُولئِكَ رفع بالابتداء و أَصْحابُ خبره ، والصحبة الاقتران بالشيء في حالة ما ، في زمن ما ، فإن كانت الملازمة والخلطة فهو كمال الصحبة ، وهكذا هي صحبة أهل النار لها ، وبهذا القول ينفك الخلاف في تسمية الصحابة رضي اللّه عنهم إذ مراتبهم متباينة ، أقلها الاقتران في الإسلام والزمن ، وأكثرها الخلطة والملازمة ، و هُمْ فِيها خالِدُونَ ، ابتداء وخبر في موضع الحال . قوله عزّ وجل : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 40 إلى 41 ] يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ( 40 ) وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ( 41 )